وفي ظني أنه في ظل زخم الأحداث والأفكار والتحركات علي الأرض وكم المشروعات والأحلام التي ترنو لإعادة صياغة الواقع المصري ورسم خريطة طريق للمستقبل, وفي ظل مايطفو علي السطح من تفاعلات, صحية كانت أو مرضية, يظل معامل الثقافة الرهان الأوقع للخروج من آنية اللحظة بكل مشاكلها وتناقضاتها والتحرك للنقطة التالية لتحقيق الحلم الذي التف حوله المصريون, وصفحات التاريخ تشهد بأن مابقي واستمر من مشروع محمد علي بعد انكساره ودفع بمصر لآفاق التجديد والحداثة بل واستمرارية الروح الوطنية كان أساسه البناء الثقافي الذي بدأه بالتعليم وإرسال البعثات للخارج والانفتاح علي الثقافات المغايرة شرقا وغربا.
واليوم ونحن علي مشارف بداية جديدة ومختلفة لبناء الدولة المصرية الحديثة بعد قرنين في مبادرة محمد علي باشا الأول وما تبعها من محاولات لعدد من الساسة والمفكرين والمبدعين لتأصيل مفهوم وإرساء قواعد الدولة الحديثة, وبعد أن عايشنا جميعا متوالية من الأحداث المؤسفة التي كادت تشعل أكثر من فتنة بين أبناء الوطن الواحد وتكرس لمكارثية جديدة تكبل تعددية الرؤي والآراء التي شهدها وتعصف بأمن وثوابت شعب مصر وتهيل التراب علي مبادراته الشعبية التلقائية علي أرض مصر. لحظة الخطر التي كانت في مجملها وليدة لحظة استدعت من خزانة الوعي الجمعي أعظم وأجمل ما اختزنه وجدان الشعب المصري بكل طوائفه وأطيافه, يظل السؤال: وماذا بعد؟ ما هو المصد لحماية روح وعقل المصري وبناء الدولة التي حلم بها وخرج مطالبا ومدافعا عن حقه في الحياة الكريمة في إطار ممارسات سياسية واجتماعية وثقافية تسمح بالتعددية وتطور الروافد السياسية والحياة ككل.
من هذا المنطلق وبالرغم من أن الواقع يؤكد أن الوضع السياسي والاقتصادي أصبح يمثل الهاجس الأول ويتصدر المشهد في مصر الآن إلا أنني أظن ـ ولعلي لا أبالغ ـ أن البعد الثقافي ربما يكون الأخطر والأكثر إلحاحا الآن, وأن الضمان الوحيد للاستمرار علي طريق تحقيق ما نرنو إليه جميعا للحفاظ علي الوطن ومواجهة كل التحديات الآنية والمستقبلية, إنما يكمن في الحفاظ علي بنية الإنسان المصري وقدرته علي التفكير والنقد ومخالفة التيارات التي تزيف الوعي والإرادة والفعل, الأمر الذي لا يتأتي إلا من خلال منظومة ثقافية واضحة وفعالة, لاتنفصل عن الجماهير وتدعم الوعي والإرادة والحركة نحو المستقبل وتغيير وجه الحياة في مصر.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق